أذكر في فترة من الفترات، كنت اذا وددت أن أكتب شيئاً، أحدق في السقف، الحائط، قدم طاولة، كرسي، أو أي شيء ممل لا يبعث على شيء، حتى ينبعث نفسي في كل شيء، فأقرر الموضوع والبداية والصدر والنهاية، وأضحك، وأبتسم، وأقرر وأفصلّ، ثم بعد أن استقر على شيء أرى فإذ بي ممعن النظر في البلاطة بجانب قدم الطاولة..
ثم حين اقتربت ليلة ميلادك، وودت أن أكتب شيئاً لك، لم استطع أن أفكر في شيء إلا رسالتك، وقد جلست أقلب الأمر، وأقوم بطقوسي المعتادة، قدم طاولة، كرسي، حائط، ولا أجد في نفسي الا تلك الرسالة، لشدة ما أثرت بي..
قال تعالى في وصف أهل الكتاب
"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"
ومع انه مثال بعيد، إلا أن فيه ما يصف حالي الذي أشعر به كشيء أتحسسه؛ "فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم".
تتابع الأيام، وتطاولها، وبعد العهد بأول العهد معك، لا أكذب إن قلت أنه يخدع الإنسان حتى يعتقد أن تشابه القلوب يلزم من تشابه الأيام، وأن ثبات المشاعر تلزم من ثبات السنين، فإذا استيقظ الواحد منا بعد زمن، وتحسس قلبه، وتفقد أهله، وجد أن شيئاً ما كان هنا، أصبح ناقصًا، أن هناك شيئاً لا يستطيع تسميته، هو مألوف، يحاول تذكره، لكنه لا يجد أثره..
✦ ✦ ✦ثم تشاء الأيام أن أقرأ رسالتك، فإذا ينفجر فيَّ ما كان كامناً، وتتدفق في نفسي المعاني التي كنت آلفها، لكني افتقدتها، كأن يشم الإنسان رائحة عطر كان يألفها، ويستذكر أصحاب هذا العطر..
تذكرت كم أحببتك، كنت أعرف أني أحبك، لكنّي تذكرت لم أحببتك، تذكرت اخلاصك، صدقك، وانكشافك لي، ثم نظرت في سنيننا التي قضيناها معاً، فوجدت أنها لم تتعكر بشيء، وأن القرار والهدوء والسكينة، كانت طَبعاً وصفة لازمة للبيت، وأننا لم نختلف في شيء إلا اتفقت معي واختلفت مع نفسك، فأكون المحق ولو كنت مخطئاً، وتكونين المخطئة وإن كنت محقة، ثم إذا داعبتك وابتسمت ابتسامة صفراء، ونظرت لك بمكر، ضحكت وقلت: عيونك تنبي عن مكرك من ألف ميل، والحق انه ليس مكراً، لكني أحب أن أراك تضحكين..
✦ ✦ ✦نحن اليوم نتم سنتنا الخامسة، كأنها الأولى، لم أنظر لشيء بعين السخط الا حولته رضى، ولم أقل لا إلا قلت سمعاً وطاعة، ولم أطلب إلا لبيّت، فيا سعد من كان عنده هذا، ويا حظ من جاءه حظه.
كنت بعد مرور أول سنة من زواجنا أقول لا بد من انتكاسة في الثانية، فإذا مرت الثانية أقول في الثالثة، واليوم نحن في الخامسة أقول، آمن على بيتي معك بقية العمر، وأضع قلبي في يدك، وإلا أخاف على شيء إلا خوفي من نفسي، لكن النفس، مع طول المعاهدة والمعاشرة تسكن وتستقر، وقد استقرت معك، ووجدت نفسها فيك، وراحتها عندك..